داود القيصري

51

شرح تائية ابن الفارض الكبرى

منتجة لا مخلص لها من الشكوك والشبهات ولا مخرج لصاحبها من المضائق والظلمات فصارت نفسه الشيطانية أمارة حاكمة عليه واستمرت على حاله واستدامت على أقواله وأفعاله إلى أن خرج من الدنيا جاهلا مثبورا ووجد ما تصوره وعمله هباء منثورا . 196 - ودع ما عداها ، واعد نفسك فهي من عداها وعذ منها بأحضن جنّة 196 - أي : اترك ما عدا المحبوبة ولا تلتفت إليه سواء كان من الأحوال الشريفة كخرق العادات وإظهار الكرامات أو الخسيسة كاتباع الشهوات ومطالبة اللذات فإنها كلها مانعة عن الوصول إليها والتحقق بها وتجاوز عن نفسك وهواها فهي أي النفس من جملة أعادي تلك الحضرة لكونها أمارة بلذاتها عاصية لديها والتج من نفسك بأحصن جنة وأمنعها وهو الحضرة الإلهية متحصّن الأنبياء والأولياء ( ثم استشهد فيما أمر السلاك بحاله ، فقال : ) . 197 - فنفسي كانت ، قبل ، لوّامة متى أطعها عصت ، أو أعص عنها مطيعتي 197 - أي : أمرتك بمخالفة النفس لأن نفسي أيضا كانت قبل السلوك والمجاهدة لوامة لي حتى أطعت الحضرة كانت مطيعتي وترضى مني فإنها من سنخ الشيطان ، والشيطان من شأنه أن يرضى عن عاصي الحضرة ويكره مطيعها . فاللوامة هنا هي الأمارة بعينها لأنها تلوم على الطاعة لا المعصية ؛ وأطلق عليها اللوامة مجازا وتنبيها على مراتب النفس ، فإنه رضي اللّه عنه ذكر من قبل الأمارة ويذكر من بعد المطمئنة . ( ويجوز أن يكون المراد بها معناها الاصطلاحي وحينئذ « ضمير أطعها » عائد إلى النفس ) ، أي : فنفسي كانت من قبل لوامة متى أطعت النفس وسلكت على مراداتها صارت عاصية للحضرة غير منقادة لها في أوامرها ونواهيها لعدم انقلاع عروق إماراتها عنها ، ومتى عصيت النفس كانت تطيعني وتنقاد للحضرة . ولما رأيتها أنها تعصي عند إعطاء ملاذها وشهواتها أمرتها بالرياضة . 198 - فأوردتها ما الموت أيسر بعضه ، وأتعبتها ، كيما تكون مريحتي 198 - أي : بسبب أنها تعصي الحق عند إعطاء شهواتها ، حملتها شيئا الموت أيسر شيء وأقله بالنسبة إلى بعضه ، وذلك ترك مألوفاتها وقطع عاداتها وإبعادها عن